الشيخ محمد رشيد رضا
391
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولتظهر براءة ذمتكم ولتحسم مادة النزاع بينكم قال ابن عباس إذا دفع إلى اليتيم ماله أي عند بلوغه ورشده ) فليدفعه اليه بالشهود كما أمره اللّه تعالى . وهذا الاشهاد واجب كما هو ظاهر الأمر وعليه الشافعية والمالكية وقال الحنفية إنه غير واجب بل مندوب وقال الأستاذ الامام : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالاشهاد أمر إرشاد لا أمر وجوب وهم متفقون على أن الأوامر المارة كلها للايجاب القطعي والنواهي كلها للتحريم ، وظاهر السياق أن هذا الامر مثل ما سبقه ، ولعل السبب فيما قاله الفقهاء هو أن الناس تهاونوا بأمر الاشهاد وأهملوه من زمن بعيد فسهل ذلك على الفقهاء التأويل ورأوه أولى من تأثيم الناس وجعل أكثرهم مخالفين لما فرض عليهم ، ولا شك عندي أن الاشهاد حتم ، وأن تركه يؤدى إلى النزاع والتخاصم والتقاضى كما هو مشاهد فإذا فرضنا أن الناس كانوا في زمن ما مستمسكين بعروة الدين استمساكا عاما وكان اليتامى يحسنون الظن في الأولياء فلا يتهمونهم وأن الاشهاد لم يكن متحتما عليهم لأجل هذا . أفليس هذا الزمن المعلوم مخالفا لذلك الزمن المجهول مخالفة تقتضى أن يجعل الاشهاد ضربة لازب لقطع عرق الخصام ونزوع النفس إلى النزاع والمشاغبة ؟ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي وكفى باللّه رقيبا عليكم وشهيدا يحاسبكم على ما أظهرتم وما أسررتم ، أو كفى باللّه كافيا في الشهاة عليكم يوم الحساب . الحسببسكون السين ) في الأصل الكفاية وفسر الراغب الحسيب بالرقيب ، وفسره السدى بالشهيد فهل هذان معنيان مستقلان أم من لوازم المعنى الأصلي ؟ . قال الأستاذ الامام : الحسيب هو المراقب المطلع على ما يعمل العامل وانما جاء بهذا بعد الأمر بالاشهاد القاطع لعرق النزاع ليدلنا على أن الاشهاد وان حصل وكان يسقط الدعوى عند القاضي بالمال - لا يسقط الحق عند اللّه إذا كان الولي خائنا إذ لا تخفى عليه تعالى ما يخفى على الشهود والحكام . وكأن هؤلاء الأوصياء الخبثاء الذين نعرفهم لم يسمعوا قول اللّه في ذلك قط فقد كثرت فيهم وفي غيرهم الخيانة وأكل أموال اليتامى والسفهاء والأوقاف بالحيل حتى إنه يمكنني أن أقول إنه لا يوجد في القطر المصري عشرة أشخاص يصلحون للوصاية على اليتيم أو السفيه والوقف وقد نص الفقهاء على أن النظر على الوقف كالوصاية على اليتيم . فانظروا إلى هذه الدقة في الآية الكريمة من الامر باختبار اليتيم ودفع ماله إليه عند بلوغه ورشده ، ومن النهى